
ثلاثة نصوص
حنين جمعة
نَهْرٌ وغَزَالٌ بَريّ ...
في الوَصيةِ التي تركها تَحتَ وسادتهِ -بيضاءَ بغيرِ توقيعٍ- لم يسمِّ وريثاً واحداً لقلقهِ، فقطْ رسمَ نهراً وغزالاً بريّاً، أشعلَ نعاسهُ القليلْ، كَسّرَ أغطيتهُ الباردة، و تبخَّرَ سعيداً كطفلْ!
تَقولُ زوجهُ التي يفعلها انتظارٌ طائشٌ أنّها عثرتْ على ذاكرتهِ قربَ حوضِ الاستحمامِ مقشرةً من الصراخِ ورطبةً، وأن رائحةَ شموعٍ وزيتْ تنبعثُ من سريرهِ كلّما انقطعتْ الكهرباءُ، ولم تعرفْ منذ التقطها غيابهُ أين تُخزّنُ كلَّ هذا الرمادْ!
صارتْ تستحي من القهوةِ والحطبْ، وتنسى أن تسكبَ صَوْتَهَا فيما الجيرانُ مزمنو الفضول جَائعونْ. اعتاد الصباحُ على رؤيتها جالسةً قُربَ النافذةِ، تفقأُ قلبَ الغبارِ بأنفاسٍ خافتةٍ، تُقَدِّمُ وطناً مبللاً بالماءِ للعصافيرِ الضالةِ والمحبطةِ، تهمسُ كلاماً أزرق في أذن الغيوم.
أقسَمَ جارها العاديُّ، أنه رآها تخبئ قوسَ قزحٍ في ثيابها وتنامْ، وعندما سألها، قالت: إنَّ زوجها ينسى لونه كل نوم، حتى أنها تخلط بين رائحتهِ ورائحةِ الشتاء.
وفي المرة التي رآها تخلع ثيابها وتمطرُ رقصاً وأغنياتْ، لم ينكِرُ الجارُ أنَّ وردةَ شفتيها تَشهقهُ وأنَّ فراشةً على كاحِلها تنهمرُ عليه تأملاتٍ وأرقْ، راح يقتربُ من النافذةِ منهمكاً في رغبته، معجوناً بقدرةٍ مربكةٍ على الحبْ، يحكُّ الزجاجَ فتخدشه النشوةُ ويعتريه قمرٌ حديثُ الميلادْ، وعندما امتلأ بالغاباتِ والسماء ...
للمزيد اضغط هنا